رباعيات ....................الحياة
الحوار هو المجاوبةُ والمجادَلة، ولا يكون إلا عند اختلاف الآراء والمعتقدات، وفي حال انقسام العناوين الإنسانية واصطفافها
محلًّيا، أو عالميًّا. ويُصار إلى الحوار في العادة لتسوية الخلافات، والوصول إلى صيغةٍ تُلغي الفوارق، أو تُخفيها على الأقل،
وتُعلنُ المُشترك، وتقوّي من فُرَصِ بَقائه. والهدفُ الأسمى في النهاية هو: حياةٌ هادئةٌ هانئة.
والحضارة مرحلةٌ متقدمةٌ من مراحل التطوّر الإنساني، ومظهرٌ من مظاهر رُقيِّهِ العلميِّ والأدبيِّ والفنيِّ والاجتماعيِّ
والإنسانيِّ، وهي تعبيرٌ يُقصد به الهدف الأسمى للنفس البشرية، والبيئة الأنقى للذات الإنسانية. والهدف منها في النهاية
هو: حياةٌ رغيدةٌ هانئة.
والتنوع تباينٌ في المنابع، وتعدُّدٌ في المسارات، واختلاف في الاجتهادات، وتمايزٌ في المكتسبات، ولكن ذلك لا يعني التضاد،
ولا التنافر، ولا يُفهمُ على أنه أساليبُ هيمنة، أو طرائقُ سيطرة، بل إن التنوعَ ضدُّ الصّراع، والهدف منه هو: حياة غنيّةٌ هانئة.
والثقافة أسلوب الحياة، وتهذيبُ العقل، وحيازةُ المعرفة، وهي في أصلها ذاتُ عموم. وفي اللغة تعني الحِذقَ والفطنةَ
والتقويم، وفي هذا تخصيص لها، وحين تخرج إلى التهذيب والتعليم تكتسب تلكم العمومية التي تميزها. والهدف منها هو:
حياةٌ جميلة هانئة.
نحن إذًا أمام أربعةِ مصطلحات هي: الحوار والحضارة والتنوع والثقافة، وكلها تهدف إلى الحياة..التي تكون بها هادئة ورغيدة
وغنية وجميلة، ومن هنا اكتسبت هذه المصطلحات أهميتها في تلوين رغبة الإنسانية، ورفع مستوى نبضها.
على أن هذه المصطلحات بدون إعمالٍ فَطِنٍ لَها، تبقى مفرداتٍ جامدة، ومن غير تناولها بذكاء ورويَّةٍ، تظل إنشاءً غيرَ كافٍ
لصنع حياة كريمة.
فالحوار يجب أن يظل متواصلاً متّصلاً، حتى مع ألدّ الخصوم، وأشدهم ظلمًا، لأن انقطاعه يعني نهاية الحلم في الوصول إلى
الغاية، وانقطاع حبل الرجاء في التوصّل إلى الحلول.. أفلا ترى إلى الله سبحانه وتعالى، الذي خلق الكون ومن فيه، وما فيه،
بكلمة " كُنْ "، قد حاور إبليسَ أبا الشياطين، وأبقى على هذا الحوارِ معه، إلى أن أضربَ عنه إبليس، بطلبه الإنظار إلى يوم
البعث، مع تحدّيهِ السافر بأنه سيغوي العباد أجمعين، إلا المُخلصين؟ حين ذاك طردَهُ الله من رحمته، وقطع معه الحوار، فكان
مصيرُه النار، ولا رجعةَ عن القرار!
والحضارة بناءٌ إنساني، ويجب ألا تتخلّفَ أمّةٌ عن إضافة لبناتِ إبداعها إليه، لأن غير ذلك يعني انفصامَهَا عنها، ولا يعود
التقوقُعُ على الأمةِ إلا بالانزواء، والانطفاء. وكم من أمم بادت، لأنها عزَفَتْ عن مشاركة الأمم صناعةَ حضارتها، وأغلقت
حدودَها على نفسها، دون أن تعيَ أنَّ كلَّ مُنْطَوٍ لا يحصد في النهاية إلا انقراضًا.
وعلينا أن نفهم التنوع على أنه وسيلةُ إغناء، وأسلوبُ بقاء، وهو شرطٌ واجبٌ لاستمرار النوع، يجب المحافظة عليه، بل
والتوسّعُ فيه، لأنه يعني الحفاظ على الهوية، وتأصيل المعتقدات وقواعد السلوك، وتأطير اللغة والقانون والفنون، وتنوير
العادات والتقاليد والأعراف والنظم الاقتصادية والسياسية. وبغير التنوع لا يمكنُ تجنّبَ الاضمحلال، ولا مجالَ لتفادي الإقصاء
والزوال.
وأما الثقافة فهي لغةُ أهل عصرها، التي بها يتعايشون، ويتحاورون، ويتنوعون، وبها تزول الهوّةُ بين عناوين الجغرافيا، وتنحسر
الفروقات بين الأفهام، وينبغي النظر إليها على أنها مَشاعٌ ذاتُ صِبْغَةٍ كونية متناغمة، على الجميع أن يسير في ركبها، لا
في التضاد معها. يقول المهاتما غاندي:
"إنني على استعداد أن أفتح نوافذ بيتي، لتدخلَه الرياحُ من كل اتجاهٍ، وكلِّ جانب، ولكن من دونِ أن تُقوِّضَ هذه الرياحُ الجذورَ
التي يقوم عليها بيتي، والأسسَ التي ينهضُ عليها".
إن التنوع الثقافي يقوم على المساواة بين الأمم، واحترام الاختلافات بينها، واعتبار هذا الاختلاف مصدر غنى لا يحول دون
التفاعل، وليس بديلاً عن تبادل الخبرات، والحفاظ على السمة الحوارية بين المحلي والعالمي.
الحوار الحضاري.. والتنوع الثقافي، زادُ الحياة الكريمة، وقُوتُ الحياة الهانئة، وأعجبُ من خلوّ زوادةٍ منهما، بل كلُّ العجب في أ
أن يكونا مرتعَ أخذٍ وردّ، وعنوان جذبٍ وصدّ، بينما تتواصل الصراعات، وتتغذّى المطامع، ويظل الإنسان يدفع من دمه وقُوتِه
وسعادته فاتورةَ تغريبِ العقل، أو حسابَ تغييبِ الضمير
|